محمد غازي عرابي

813

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

والآية تضع الموازين القسط فتقول لمحمد الحق في موسى ، وإن ما أنزل عليه وهو التوراة حق ، وقد نزل على الأنبياء جميعا كما قال سبحانه : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] . والرسالات النازلة ذات مقصد واحد هو التوحيد ، والخلاف الواقع حصل بسبب موقف الأتباع الذين حرفوا الكلم عن مواضعه كما فعلت اليهود بالتوراة . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 25 إلى 27 ] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 25 ) أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ ( 26 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ ( 27 ) [ السجدة : 25 ، 27 ] الأرض الجرز إشارة إلى الدماغ وهو خال من المعلومات ، ولهذا ضربنا مثلا للإنسان الحاسوب وعمله ، فالإنسان حاسوب واللّه العامل عليه ، وقلنا إن ما لدى الإنسان من صفات هي للّه بما في ذلك الأنا ، فالوعي الناجم عن انصباب أشعة الروح على الدماغ هو الذي يجعل الإنسان إنسانا ، أي ينصبه ملكا على عرش نفسه فيقول أنا وأنا ، وما هو إلا رجع صدى صوت الروح فيه . والدماغ عند الطفل حاسوب خال ، فإذا باشرت الحواس عملها بدأ شحن الحاسوب بالمعلومات ، والملاحظ أن حاستي الشم واللمس هما أول ما تعملان من حواس لدى الطفل ثم النظر فيعتاد الطفل شم أمه ولمسها والنظر إلى وجهها وهو أول انطباع حسي فيه . ثم يتدرج الطفل في اكتساب المعلومات ، والعملية كلها إلهية ، وسبق أن قلنا أنه لولا الغريزة التي تجعل الطفل يمص ثدي أمه لما نجحت قوى الأرض كلها في حمله على أن يرضع ، والملاحظ أن الطفل يمص إصبعه بالفطرة ، واكتشف أنه يمص إصبعه وهو في بطن أمه . فالتدرج من التقاط المعلومات الحسية إلى اكتساب المعلومات المعنوية كتعليم الطفل معاني الصدق والعدل والغيرية وما شابه ، ثم الانتقال إلى مرحلة التجريد العقلي للمعلومات المكتسبة ، هذا أيضا من فعل الروح في الإنسان ، وقلنا إن الإنسان ليس إلا آلة للحق وجسرا ومحطة ومعبرا . أما دور الإرادة وانجزامها فلقد تحدثنا عنه من قبل . . وفي آيات سترد في سورة يس سنفصل الكلام في الدور الذي تلعبه الإرادة الإنسانية التي هي بدورها منحة إلهية وقوة إلهية ، وإنها بترددها بين الأفكار واختيارها هي بين الإصبعين من أصابع الرحمن ، كما قال البسطامي :